الشيخ محمد الخضري بك
70
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
فقال له أبو الهيثم ابن التيهان « 1 » : يا رسول اللّه إن بيننا وبين الرجال عهودا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسّم عليه الصلاة والسلام ، وقال : بل الدّم الدّم والهدم الهدم ، أي : ان طالبتم بدم طالبت به وأن أهدرتموه أهدرته . وحينذاك ابتدأت المبايعة وهي العقبة الثانية ، فبايعه الرجال على ما طلب ، وأول من بايع أسعد بن زرارة وقيل البراء بن معرور ، ثم تخير منهم اثني عشر نقيبا لكل عشيرة منهم واحد تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس وهم أبو الهيثم بن التّيّهان ، وأسعد بن زرارة ، وأسيد بن حضير ، والبراء بن معرور ، ورافع بن مالك وسعد بن أبي خيثمة « 2 » ، وسعد بن الربيع ، وسعد بن عبادة « 3 » ، وعبد اللّه بن رواحة « 4 » ، وعبد اللّه بن عمرو وعبادة بن الصامت « 5 » ، والمنذر بن عمرو ، ثم قال لهم : أنتم كفلاء على قومكم ، ككفالة الحواريّين لعيسى ابن مريم ، وأنا كفيل على قومي ، ولأمر ما أراده اللّه بلغ خبر هذه البيعة مشركي قريش ، فجاؤوا ودخلوا شعب الأنصار وقالوا : يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم لصاحبنا تخرجونه من أرضنا ، وتبايعونه على حربنا « 6 » ؟ فأنكروا ذلك ، وصار بعض المشركين الذين لم يحضروا المبايعة يحلفون لهم أنهم لم يحصل منهم شيء في ليلتهم وعبد اللّه بن أبيّ كبير الخزرج يقول : ما كان قومي ليفتاتوا « 7 » عليّ بشيء من ذلك . هجرة المسلمين إلى المدينة ولما رجع الأنصار إلى المدينة ظهر بينهم الإسلام أكثر من المرة الأولى . أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه فازداد عليهم أذى المشركين لما سمعوا أنه حالف قوما
--> ( 1 ) التيهان لقبه واسمه مالك وهو مشهور بكنيته اخى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بينه وبين عثمان بن مظعون وشهد المشاهد كلها وكان أول من بايع وقد مات سنة عشرين . ( 2 ) شهد بدرا فقتل بها شهيدا . ( 3 ) كان سيدا جوادا ، وهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها وكان غيورا شديد الغيرة سار إلى الشام فمات في حوران سنة خمس عشرة ( 4 ) شهد بدرا والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعدها وقتل يوم مؤتة . ( 5 ) شهد بدرا والمشاهد كلها ، وقد جمع القران في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان يعلم أهل الصفة القران ، وهو أول من ولي قضاء فلسطين ، توفي سنة أربع وثلاثين بالرملة ، وهو ابن اثنين وسبعين سنة . ( 6 ) تتمتها وإنه واللّه ما من حي من العرب أبغض إلينا ، أن تنشب الحرب . بينا وبينهم منكم . ( 7 ) أي : لا يفوت